languageFrançais

'نومة'… دليلة مفتاحي تضع الصحة النفسية في قلب الرهان المسرحي

قبل أيام قليلة من موعد العرض الأول لمسرحية «نومة» يوم 4 جويلية بقاعة الفن الرابع، حلّت الممثلة والمخرجة دليلة مفتاحي ضيفة على برنامج «كورنيش» مع سامية الحامي، لتفتح أبواب أحدث أعمالها المسرحية كاشفةً عن مشروع فني تصفه بأنه من أقرب الأعمال إلى قلبها بعد رحلة بحث ميداني طويلة في عالم الاكتئاب والانتحار إلى جانب حديثها عن واقع المسرح التونسي والحب وأحلامها التي ما تزال ترافقها.

المسرحية التي تتولى دليلة مفتاحي إخراجها وسينوغرافيتها،تنطلق من نص كتبته دنيا مناصرية، ويشارك في بطولتها كل من لطفي تركي، كمال الكعبي، فوزية بدر، محمد أمين الزواوي، دليلة مفتاحي، ضحى والي، سفيان بن ظافر، جلال مصدق وطاهر الرضواني.

حين يصبح النوم استعارة للموت

اختارت دليلة مفتاحي عنوان «نومة» عن قصد، معتبرة أن النوم قد يكون الوجه الآخر للموت، فالإنسان قد ينام ولا يستيقظ أبداً، لذلك يحمل العنوان حمولة رمزية تختزل فكرة المسرحية القائمة على الهشاشة الإنسانية والحد الفاصل بين الحياة والانطفاء.

وأكدت أن موضوع العمل “قاسٍ جداً”لأنه يغوص في ظاهرة الانتحار وما تتركه من آثار نفسية واجتماعية عميقة خاصة على العائلة وبالأخص الأم التي قد تدخل وفق تعبيرها في دوامة من الاكتئاب قد تدفعها هي الأخرى إلى التفكير في الانتحار.

وكشفت أن إنجاز العمل سبقه بحث ميداني دام عاماً كاملاً، تنقل فريق العمل خلاله بين عدة حالات وتجارب واقعية في ولايتي سوسة وصفاقس بهدف فهم الأسباب والخلفيات النفسية والاجتماعية للانتحار معتبرة أن عدداً من الوقائع التي عاينتها كانت الدافع الحقيقي لإنجاز هذا المشروع الذي وصفته بأنه من أعز أعمالها وأكثرها فخراً.

كوميديا سوداء… تضحكك لتواجهك بالحقيقة

ورغم قسوة الموضوع، اختارت المخرجة دليلة مفتاحي أن يكون التناول في قالب الكوميديا السوداء لأن الضحك، في نظرها، قادر على فتح باب التفكير في أكثر القضايا إيلاماً.

وبيّنت أن النص أعيدت كتابته ثلاث مرات حتى يصل إلى بنيته النهائية مع الحرص على بناء شخصيات مترابطة واختزال الحوار إلى أقل عدد ممكن من الكلمات انسجاماً مع ما وصفته بـ”عصر الصورة”، حيث أصبح الإيقاع البصري عنصراً أساسياً في التلقي المسرحي.

وأضافت أن العرض لا يقدم شخصيات تقليدية بقدر ما يعرض نماذج إنسانية تائهة مؤكدة أن المتفرج لن يعرف من هو المريض الحقيقي لأن الجميع يحمل داخله هشاشة ما قائلة إننا “كلنا مرضى”، ومن يعترف بمرضه هو الأقرب إلى العلاج.

وتطمح  إلى أن يغادر المتفرج القاعة وهو محمّل بالأسئلة، لا بالإجابات الجاهزة، معتبرة أن المسرح الحقيقي هو الذي يوقظ التفكير.

الصحة النفسية… الرسالة الأعمق للمسرحية

لم تُخفِ دليلة مفتاحي أن العمل يحمل رسالة واضحة تدعو إلى كسر الصورة النمطية المرتبطة بالعلاج النفسي، مؤكدة أن الذهاب إلى الطبيب النفسي ليس رفاهية بل ضرورة لا تقل أهمية عن علاج الأمراض العضوية بل إن الألم النفسي قد يكون، بحسب تعبيرها، أشد قسوة من الألم الجسدي.

كما أشارت إلى أنها ربما مرت هي أيضاً بتجربة اكتئاب، كما استحضرت تجربة والدتها المرحومة مع هذا المرض موضحة أن الاكتئاب ترك آثاراً على صحتها الجسدية رغم هدوئها الظاهر، وهو ما جعلها تدرك حجم الدمار الداخلي الذي قد يعيشه الإنسان بعيداً عن أعين الآخرين.

المسرح… بيتها الأول وحلمها الدائم

بعيداً عن «نومة»، استغلت دليلة مفتاحي المناسبة لتجدد حديثها عن واقع المسرح التونسي معتبرة أن المشكلة لا تكمن في غياب المبدعين وإنما في غياب الفضاءات المخصصة للعمل المسرحي.

وقالت إن المسرح، مثل كرة القدم، يحتاج إلى فضاء دائم للتدريب والبروفات مشيرة إلى أن الفرق المسرحية تضطر في كثير من الأحيان إلى البحث عن أماكن مؤقتة، في حين يحتاج المسرحيون إلى فضاءات مستقرة تسمح بالاشتغال على أعمالهم في ظروف ملائمة.

وأكدت أنها محظوظة لأنها اختارت العمل في الحقل المسرحي مضيفة أنها ليست شخصية صعبة، لكنها جادة في عملها، وأن المسرح بالنسبة إليها ليس مجرد مهنة بل أسلوب حياة، حتى إنها صرحت بأنها لو امتلكت مسرحاً لأقامت فيه، معربة عن أملها في أن تحقق يوماً حلم إنشاء فضائها المسرحي الخاص مهما تقدم بها العمر.

حضور محدود على الركح… وتركيز أكبر على الإخراج

وكشفت دليلة مفتاحي أن حضورها التمثيلي في «نومة» لن يكون رئيسياً مفضلة أن تمنح الجزء الأكبر من اهتمامها للإخراج والإشراف الفني على العمل بما يضمن خروج المشروع بالشكل الذي تطمح إليه.

حضور الجمهور أهمّ من بيع التذاكر

وفي خطوة لافتة، أعلنت أن العرض الأول سيكون دون بيع تذاكر موضحة أنها أرادت أن يكون اللقاء الأول مع الجمهور بعيداً عن الحسابات التجارية وأن يكون المتفرجون أنفسهم سفراء للمسرحية عبر ما سينقلونه عنها بعد مشاهدتها.

الحب… القيمة التي تبني العالم

تحدثت دليلة مفتاحي عن الحب باعتباره قيمة إنسانية شاملة، مؤكدة أنها “تتنفس الحب وتصنعه”، وأن الفنان في جوهره يمنح الحب للناس من خلال فنه.

ورأت أن الحب لا ينبغي أن يُختزل في العلاقة العاطفية فقط لأن العالم بُني على المحبة والعطاء، مضيفة أن الإنسان أصبح في حاجة إلى مزيد من الحب أكثر من أي وقت مضى.

وعن الحب بين الرجل والمرأة، أكدت أنها تؤمن به متى تحقق التوازن، مشيرة إلى أن الصدق والإقدام يمثلان أهم الصفات التي تبحث عنها في شريك الحياة.

وختمت حديثها برسالة إنسانية، معتبرة أن الحب الحقيقي هو العطاء دون انتظار مقابل، وأن أجمل أشكال المحبة أن يشعر الإنسان بالآخرين، مضيفة أنه لو كانت تمتلك سلطة القرار، لما سمحت بأن ينام أي إنسان جائع، لأن ذلك في نظرها هو المعنى الحقيقي لزرع الحب في المجتمع.

ليندا بالحاج